فخر الدين الرازي
328
المطالب العالية من العلم الإلهي
والوجه الثاني في بيان امتناع هذا المعنى : أن حقيقة ماهيته ، إن لم تكن قابلة للعدم البتة ، فقد حصل المطلوب ، وإن كانت قابلة [ للعدم ] « 1 » فإما أن يكون قبولها للوجود والعدم على سبيل السوية ، وإما أن يقال : إن جانب الوجودية أولى من جانب [ العدم ] « 2 » فإن كان الأول لزم افتقاره إلى المرجح ، لما ثبت أن الممكن المتساوي [ لا ] « 3 » يعقل رجحان أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح ، وحينئذ يكون الواجب لذاته ، واجبا بغيره . وهو محال . [ وإن كان الثاني وهو أن يقال : إن حقيقته قابلة للعدم وللوجود ، إلا أن الوجود أولى بها من العدم . فنقول : هذا محال ] « 4 » لأنا بينا : أن الجمع بين أصل الإمكان مع حصول الأولوية محال باطل . فيثبت بما ذكرنا : أن واجب الوجود لذاته ، يجب كونه أزليا وأبديا . الوجه الثالث في بيان وجوب كونه أزليا وأبديا : أنه حين كان موجودا . إما أن يقال : إنه كان ممكن الوجود لذاته ، أو كان واجب الوجود لذاته . فإن قلنا : إنه ممكن الوجود لذاته ، وكل ممكن الوجود لذاته فإنه لا يوجد إلا بسبب . فالمغني عن السبب مفتقر إلى السبب . هذا خلف . وإن قلنا : إنه كان واجب الوجود لذاته فلو فرضنا أنه عدم في وقت من الأوقات ، فحينئذ انتقل من الوجوب الذاتي ، إما إلى الإمكان الذاتي ، أو إلى الامتناع الذاتي . وكل ذلك محال . لأن على هذا التقدير ، يكون ذلك الوجوب الذاتي قابلا للتغير ، وكل ما كان قابلا للتغير فإنه لا يكون وجوبا بالذات ، ينتج : أن الوجوب بالذات ليس وجوبا بالذات . هذا خلف . فيثبت بمجموع ما لخصناه : أن واجب الوجود لذاته ، يجب أن يكون أزليا وأبديا . وهذا تمام المقصود من هذا الباب . وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من س .